وبداية لم أصدق ماسمعته فكيف لأب أن يتحرش بطفلة، واعتقدتها
كاذبة وان ما تقوله بتوجيه من والدتها وسألتها المزيد فأعطت
التفاصيل، وحين تأكدت من كلامها، أحسست بدوار وبأفكار تأخذني الى
البعيد لأسأل هل وصلت بنا الأمور الى هنا؟
هل بات الحضن الدافئ والآمن وحشاً كاسراً يفترس أحب الناس
إليه؟!! والقضية لاتقف هنا، ومن قصة هذه الطفلة الى قصة طفلة
أخرى حاولت أن تحرق أباها في فراشه لتحرشه بها..
هذه نماذج صغيرة من قصص واقعية تحدث هنا وهناك وفي كل مكان..
وشئنا أو أبينا موجودة سواء اعترفنا بها أو رفضناها!
وبعد ذلك كله ألا يحق لنا أن نخاف على أطفالنا من كل ما يحيط
بهم، في الشارع والمدرسة والمطعم وأحياناً وان كانت قليلة ونادرة
في البيت؟!!
نفكر كيف نطعم أطفالنا، وماذا يأكلون، ونفكر بلباسهم
وألعابهم، ولكن هل فكرنا كيف نحميهم من وحوش تترصد بهم، من وحوش
لا رحمة ولاشفقة في قلوبهم؟ ألا يستحق أطفالنا أن نقف قليلاً
لنسأل أنفسنا سؤالاً بغاية الأهمية، حتى وإن كان غريباً عن
الشريحة الأعظم من مجتمعنا، وان كان قاسياً ولكن لابد منه، فهل
أطفالنا في مأمن من التحرش الجنسي؟!!
وبالرغم من أن الموضوع يحمل في طياته لبعض الناس الألم
والاستنكار وربما الخوف والحذر، ولكن لابد من طرحه لإيصاله للناس
وكصرخة تحذير حماية للأطفال.
ہقبل فوات الأوان!!
ماهو المقصود بالتحرش الجنسي ضد الأطفال؟
يقول الدكتور محمد عزام سخيطة، الباحث الدولي في الشؤون
الصحية والبيئية وعضو مجلس ادارة جمعية معالجة الأمراض النفسية
والادمان بحلب، ان التحرش الجنسي من أهم الاساءات ضد الأطفال
وربما أكثرها تأثيراً على نموهم الجنسي والسلوكي والتي قد يمتد
تأثيرها على الطفل المساء إليه سنوات طويلة من حياته اذا لم
تعالج بالسرعة القصوى، ويقصد بالتحرش الجنسي، كل اثارة يتعرض لها
الطفل عن عمد، وذلك بتعرضه للمشاهد الفاضحة أو الصور الجنسية أو
العارية، أو غير ذلك كتعمد ملامسة أعضائه التناسلية أو حثه على
لمس أعضاء شخص آخر أو تعليمه عادات سيئة، فضلاً عن الاعتداء
الجنسي المباشر في صوره المعروفة والشاذة.
أما العنف الجنسي فيمكن تعريفه على أنه قيام المسيء بأي تصرف
أو انتهاك متعمد لخصوصية المساء إليه بدون قبوله بتلك الأفعال.
ويضيف الدكتور سخيطة ان الكثير من الفضائيات «غير المضبوطة»
أسهمت في ترسيخ انتشار الشذوذ الجنسي بشكل واسع، ما جعل ممارسيه
يحصلون على منابر اعلامية تدعم حقوقهم ومطالبهم، أما لماذا يصبح
المرء شاذاً ولماذا يصر على هذه الممارسات؟ أسئلة يطرحها
الكثيرون، لاسيما أن حول الشاذ أسرة تربية وترعاه ومدرسة تعلمه
وتثقفه، وواعظاً يقدم له النصح وينهره، ومجتمعاً يدينه ويشجبه
وكتاباً مقدساً يتوعده، وقوانين وتشريعات تطارده وتقمعه، ومع ذلك
تبقى الظاهرة موجودة ويبقى اللغز عصياً على الحل!!
ہ من يتربص بالأطفال؟
حوادث التحرش والاعتداء الجنسي غالباً ما تحدث بين مراهق وطفل
أو بشكل أقل حدوثاً بين راشد وطفل، وقد ترافق هذه الحوادث أشكال
متباينة من العنف والشراسة، ويذكر الدكتور سخيطة ان الطفل يمكن
أن يتعرض لهذا الخطر في مرحلة الطفولة المبكرة (2 ـ 6) سنوات
وهذا غالباً مايتم على يد أقرب من يتولون رعايته بالنيابة
كالمربية والسائق والخدم والمراهقين من الأقرباء في العائلة، حيث
يترك معهم أمام التلفاز بقنواته الفضائية الاباحية، ولكن أكثر
الأطفال المعرضين للتحرش هم شريحة الأطفال من مرحلة الطفولة
المتوسطة بين (6 ـ 8) سنوات وأغلب هؤلاء من فاقدي الرعاية
الوالدية في الأسر التي تعاني تفككاً أو حتى تلك التي تعيش ترفاً
زائداً على حد سواء، أو الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة أو
الأطفال النزلاء في المؤسسات الايوائية التي تعاني فساداً
ادارياً كاللقطاء والأيتام والأحداث وغيرهم من الأطفال المهمشين.
ولكن من يتربص بالأطفال؟
المتربصون أصحاب المآرب المتباينة المسيئة للطفل وهم في أغلب
الأحيان أشخاص تربطهم بالطفل صلة قرابة أو معرفة (أكثرمن 85% من
الحالات) أو ممن يقطنون في الجوار ويعرفون الطفل عن كثب أو
يعملون في خدمة البيت، ويوجد هؤلاء المتربصون بالأطفال في كل
مكان، في رياض الأطفال والمدارس والجمعيات الخيرية وفي المنتجعات
السياحية والمطاعم وغيرها من أماكن الترفيه واللعب وممارسة
الرياضة، ويبذلون أقصى جهدهم للعمل في هذه الأماكن شريطة أن يضمن
ذلك لهم التصاقهم بالأطفال وقضاء وقت كافٍ معهم، والمتربصون على
الأغلب متمرسون يجيدون التعامل مع الأهل والمشرفين المؤتمنين
ويكسبون ثقتهم ومودتهم.
وتعتبر دورات المياه العامة والحمامات والدهاليز من أكثر
الأماكن خطورة على سلامة الطفل أثناء قيامه بالنشاطات والفعاليات
الخارجية لذلك يجب على الأهل مرافقة الأطفال الى تلك الأماكن
للتأكد من خلوها من المخاطر.
وهناك نوع آخر من المتربصين يطلق عليهم لقب «محبو الغلمان»
وهم من ذوي الاضطرابات المرضية وهؤلاء لا يستخدمون العنف إلا اذا
كانوا من الناقمين على المجتمع أو تحت تأثير الكحول والمخدرات
والذين سبق أن تعرضوا لشكل من أشكال الاساءات الجنسية في
طفولتهم.
ہ آثار سلبية وعواقب...
لاشك ان الاساءة والتحرش الجنسي يتركان آثاراً سيئة وسلبية
على الأطفال سواء وقت وقع الحادثة أو لاحقاً ولسنوات طويلة كما
يشير الدكتور سخيطة، حيث يشعر الطفل الضحية بعد الحادثة بالخوف
وانعدام الأمن ما قد يسفر عنه ظهور سلوكيات سلبية مثل التبول
اللاارادي أو العنف أو السرقة أو الكذب، في حين أن الآثار
النفسية المستقبلية تتمثل في اصابته باضطرابات أو أمراض نفسية قد
تؤدي الى الانحراف أو الجريمة، لذلك وحماية للأطفال لابد من
الحرص على بعض الأمور منها تعزيز ثقة الطفل بنفسه وبأسرته
والتواصل السليم معه في جو أسري سليم، وتوعية الطفل وتعويده على
ضرورة الحديث عن الأشياء الهامة التي تصادفه خارج البيت والأشخاص
الذين صادفهم، والحرص على طمأنة الطفل بأن مايرويه من تفاصيل هو
أمر جيد ولن يعاقب عليه أبداً وتنمية المهارات عند الطفل واتاحة
الفرص أمامه لممارسة هواياته، وكذلك ملاحظة الطفل وسلوكه وحمايته
باسلوب مرن فيه مساحة كافية من الحرية والحرص على حمايته من كل
مايحيط به.
ہكيف يحمي الطفل نفسه؟
هناك بعض النصائح الهامة للآباء والأمهات وأولياء الأمور
ومقدمي الرعاية والأشخاص المؤتمنين حول كيفية تدريب الأبناء على
حماية أنفسهم من الاعتداء الجنسي كإجراء وقائي لاغنى عنه وهي:
ـ النصيحة الأولى: تدريب الطفل على التعرف على اللمسة التي
يقوم بها الكبارمعه وتمييزها بحيث يقبلها على أنها مسموحة أو
مشكوك فيها أو غير مقبولة على الاطلاق.
ويتم ذلك من خلال اللعب أو الحوار أو التمثيل في جو من
الصراحة والمحبة الأبوية.
ـ النصيحة الثانية: متى يقول الطفل «لا» للشخص الذي يحاول
الاعتداء عليه؟
ـ النصيحة الثالثة: أن يتم الشرح للطفل كيف يحمي نفسه من
الاعتداء الجنسي من خلال تعليمه أهمية عدم الانفراد مع شخص غريب
في مكان منعزل وكيفية الهروب من المعتدي وتعليمه الابلاغ عن
الحادثة، وزرع الثقة بنفس الطفل وعدم الخوف من أن والديه
سيعاقبانه اذا عرفا بما حدث له.
ـ النصيحة الرابعة: الطرق العملية في تدريب الطفل على حماية
نفسه من الشخص المعتدي في مواقف مختلفة مثل الصراخ بنبرة حادة
وطلب النجدة ودفع المعتدي عنه.
وفي حال تعرض الطفل للاساءة الجنسية، يجب على المرشد النفسي
الاصغاء جيداً الى الطفل المعتدى عليه، وأن يشعره بالتعاطف معه،
وأن يكون حيادياً لدى كتابة التقرير المرتبط بالاساءة وأن يكون
التقرير سرياً حرصاً على احترام خصوصية الطفل وحمايته من اساءات
اضافية.
وتوضيح الملابسات التي يريد الطفل ايضاحها والتأكد من ادعاءات
الطفل، ثم تأتي مسؤولية الابلاغ عن الحادثة.
وللأسرة الدور الأهم في احتواء الطفل المعتدى عليه وتقديم
الدعم الكافي لتجاوز المحنة ونسيان الايذاء الحاصل، ويمكن اشراك
المدرسة في مساعدة الطفل على تجاوز هذه الأزمة.
أما اهمال الطفل بعد تعرضه لهذه الحادثة سيزيد الأمر تعقيداً
وسيجعله يتعرض للمزيد من الاعتداءات.
على كل حال ومهما كانت المعالجة السلوكية والنفسية عالية
المستوى، فإن الجهود التي تبذل في سبيل التخفيف من حدة آثار ذلك
الايذاء لن يكون بمقدورها ازالة هذه الآثار بشكل نهائي، إلا أنها
على الأقل، ستقلل منها الى حد مقبول.
تشرين